خليل الصفدي

81

الوافي بالوفيات ( دار صادر )

تقول العاذلات علاك شيب * أهذا الشيب يمنعني مراحي تعزّت أمّ حزرة ثم قالت * رأيت الموردين ذوي لقاح ثقي باللّه ليس له شريك * ومن عند الخليفة بالنجاح ألستم خير من ركب المطايا * وأندى العالمين بطون راح سأشكر إن رددت عليّ ريشي * وأنبتّ القوادم في جناحي قال جرير : فلما انتهيت إلى هذا البيت كان عبد الملك متكئا فاستوى جالسا وقال : من مدحنا منكم فليمدحنا بمثل هذا أو فليسكت . ثم التفت إليّ وقال : يا جرير أترى أمّ احزرة ترويها مائة ناقة من نعم بني كليب ؟ فقلت يا أمير المؤمنين إن لم تروها فلا أرواها اللّه فأمر لي بها كلها سود الحدق . قلت يا أمير المؤمنين نحن مشايخ وليس بأحدنا فضل عن راحلته والإبل أبّان فلو أمرت لي بالرّعاء فأمر لي بثمانية وكان بين يديه صحاف من الذهب وبيده قضيب فقلت : يا أمير المؤمنين والمحلب وأشرت إلى إحدى الصحاف فنبذها إليّ بالقضيب وقال خذها لا نفعتك . وإلى هذا أشار جرير في قوله : [ من البسيط ] أعطوا هنيدة تتلوها ثمانية * ما في عطاياهم منّ ولا سرف ولما مات الفرزدق وبلغ خبره جريرا بكى وقال : أما واللّه إني لأعلم أني قليل البقاء بعده لقد كان نجمنا واحدا وكان كلّ واحد منا مشغولا بصاحبه ، وقلّما مات ضد أو صديق ، إلّا تبعه صاحبه فكان كذلك . وتوفي جرير سنة عشر ومائة وقيل سنة إحدى عشرة ومائة باليمامة وعمّر نيّفا وثمانين سنة وقال عثمان التميميّ : رأيت جريرا وما يضم شفتيه من التسبيح فقلت له : وما ينفعك هذا وأنت تقذف المحصنات ؟ فقال : سبحان اللّه والحمد للّه ولا إله إلا اللّه واللّه أكبر « إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ » « 1 » وعد من اللّه حقّ . وقيل إنه مات بعد الفرزدق بشهر واحد .

--> ( 1 ) هود 11 / 114 .